تقنيّات التعرّف على الوجه: علامات استفهام مُقلقة

تُطرح علامات استفهام عدة حول الكثير من التقنيات الجديدة والمواضيع التكنولوجية، فتنقسم الآراء حولها بين مؤيد لها ومعارض في الأوساط التكنولوجية. وتُعتبر تقنيات التعرف على الوجه أحد هذه المواضيع الجدلية بامتياز. إذ تتعاظم المخاوف العالمية في ما يخص خلفيات هذه التقنية ومخاطرها على أمن الأفراد على أكثر من صعيد. من هنا، ما الجديد في هذا الأمر وكيف ينظر المختصون الآن إلى هذه التقنية؟

قلقٌ مشروع

من الطبيعي أن تزيد علامات الاستفهام حول مفهوم تقنية التعرف على الوجه الذي يُعتبر مفهومًا جديدًا نسبيًا إلى حدٍ ما، مع السباق الحاصل بين الشركات التقنية الكبرى والناشئة المستمر نحو الابتكار في هذا المجال. وتوجه العديد من الجهات والحكومات نحو الاعتماد على تقنيات التعرّف على الوجه.

لذلك ساهمت فورة الاعتماد على خاصية التعرّف على الوجه في مختلف المجالات في بروز تيّار ناقد لهذا التوجه "المقلق". فتُطالب هذه الجهات بتنظيم هذا التوجه ووضع ضوابط له في ظل تسبب هذه التقنية في انتهاك  خصوصية الأفراد وأمنهم.إذ تؤكد شركات حقوقية أهمية حماية حرية التعبير والخصوصية للأشخاص من خاصية "التعرف على الوجه"، التي يمكن أن تخترق خصوصيتهم من دون حتّى أن يعرفوا ذلك.

سان فرانسيسكو تحظّر ‏‏تقنيات ‏‏التعرّف على الوجه

إنّ مسلسل القلق والتخوّف من هذه التقنية يرجع إلى الواجهة كل فترة، فمن المُلاحظ وجود جدل كبيريرافق هذه التقنية من دون شك. من هنا، حظّرت مؤخرًا مدينة سان فرانسيسكو استخدام تقنيات التعرف على الوجه، لتكون بذلك أول مدينة أميركية تحظر استخدام هذه التقنية.‏ ولم يعد‏‏ يسمح باستخدام هذه التقنية الناشئة من قبل الإدارات المحلية مثل هيئة النقل في المدينة أو ‏‏الجهات المسؤولة عن تطبيق‏‏ القانون‏‏، كما ‏‏يتوجب الآن الحصول على موافقة إدارة المدينة على خطط شراء أي من تقنيات التعرف على الوجه‏‏.

‏‏وبهذه المناسبة، قال ‏‏ديفيد واربرتن، رئيس أبحاث التهديدات‏‏ الإلكترونية لدى‏‏ شركة‏‏ ‏‏إف 5 نتوركس‏‏: ‏‎“‎‏شهدنا في السنوات الماضية تحسينات على أمن الإنترنت والخصوصية مع استمرار التقنية في ‏‏التطور، ‏‏وقد جرى تطبيق تشريعات جديدة مثل التوجيهات بخصوص أمن الشبكة والمعلومات وتشريعات الاتحاد الأوروبي العامة لحماية البيانات، والتي تضمن تعامل المنظمات مع البيانات الشخصية بالحرص الذي تستحقه. ‏‏و‏‏مع هذا، فإن هذه التقنية أصبحت منتشرة على نطاق واسع، و‏‏أصبح ‏‏الكثيرون ‏‏يدركون ‏‏الآثار السلبية والتطفلية لهذه التقنية على حياتهم‏‏". ‏

‏‏وأضاف: "‏‏باعتبارها مركز‏‏اً‏‏ عالميًا‏‏ للتقنية، قد يأتي قرار مدينة سان فرانسيسكو بحظر التعرف على الوجه ‏‏كمفاجأة للكثيرين . وهذا ‏‏يعد ‏‏اعترافًا صريحًا بأن هذه التقنية لا تزال تعاني من جوانب ضعف متأصلة ولها تبعات واسعة النطاق تطال الخصوصية، حيث أن المخاوف الجدية والمستمرة تتعلق بكيفية جمع البيانات البيومترية ومعالجتها. لا تتمتع أكثر الحكومات في العصر الرقمي اليوم بسجل حافل في الأمن السيبراني، ‏‏و‏‏أصبحت الكميات الهائلة من البيانات التي تجمعها الأنظمة البيومترية هدفًا جاذبًا للجريمة السيبرانية. في الصين‏‏،‏‏ على سبيل المثال، تنتشر هذه التقنية وتعتبر مقبولة عمومًا في كل النواحي بداية من التعرف على المشاة المخالفين لعبور الطريق وحتى مراقبة ‏‏أمزجة ‏‏الأطفال في الفصول الدراسية. ‏‏لكن هذا ‏‏ليس حال الأنحاء الأخرى من العالم حيث لا تزال التجارب هي التي ‏‏تحدد ‏‏التبعات المترتبة على الفعالية والخصوصية لهذه التقنية الناشئة‏‏".

"مايكروسوفت" ترفض بيع تقنية التعرّف على الوجه

رفضت مايكرسوفت أيضًا في فترة سابقة من هذا العام طلبًا من وكالة إنفاذ قانون في كاليفورنيا لتثبيت التكنولوجيا الخاصة بالتعرف إلى الوجه في سيارات وكاميرات عناصرها، بسبب ما أثارته من مخاوف إزاء حقوق الإنسان. وذلك على حد تعبير رئيس الشركة، براد سميث.

وبررت "مايكروسوفت" موقفها بأنّ تثبيت تقنيتها في السيارات والكاميرات من شأنه أن يُعرّض النساء والأفراد الأبرياء من الأقليات للاستجواب، لأن الذكاء الاصطناعي دُرّب على صور معظمها تعود إلى ذكور بيض.

وفي حديثه خلال مؤتمر عُقد في "جامعة ستانفورد" حول "الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان"، قال سميث إن "مايكروسوفت" رفضت أيضاً طلباً لتثبيت تقنيتها الخاصة بالتعرف إلى الوجه في عاصمة لم يسمها، مشيراً إلى أن منظمة "فريدوم هاوس" غير الحكومية صنّفتها "غير حرّة".

من ناحية ثانية، وافقت الشركة على توفير تقنيتها لسجنٍ أميركي، بعدما تأكدت أنها ستحسّن مستوى الأمن داخل المنشأة. وأرجع سميث قرارات الشركة إلى جزء من التزامها بحقوق الإنسان، داعياً إلى فرض تنظيم أكثر شدة على تقنيات الذكاء الاصطناعي.

والجدير بالذكر أنّ "مايكروسوفت" كانت قد حذرت العام الماضي من خطورة تقنيات التعرف على الوجوه. حيث طالب مدير الشؤون القضائية في مايكروسوفت، براد سميث، بوضع أطر قانونية لتقنيات التعرف على الوجوه، بسبب المخاطر التي تشكلها على الخصوصية والحريات الفردية. ودعا سميث في وقتها الحكومة الأميركية إلى وضع الأسس القانونية لاستخدام تقنيات التعرف على الوجوه.

وفي هذا السياق كتب سميث قائلًا العام الماضي: "تخيلوا حكومة تعقبت عن كثب كل تنقلاتكم خلال الشهر الفائت من دون إذنكم أو علمكم. تخيلوا قاعدة بيانات لكل الأشخاص الذين شاركوا في تجمع سياسي". وستتاح للشركات فرصة متابعة الزوار أو الزبائن من دون علمهم واستخدام المعلومات التي يتم جمعها لاتخاذ قرارات مهمة أو في طلبات القروض أو التوظيف على سبيل المثال.

 

 

انطلاقًا من كل ما سبق، إنّ المسائل الأمنية والثغرات المحتملة لهذه التقنية تزيد من مسؤولية شركات التكنولوجيا التي تقوم بتطوير هذه التقنية. كما تتطلب هذه التقنية وضع إطار تشريعي حكومي مدروس ووضع حدود معينة لتحديد أطر الاستخدام المقبول لتقنيات التعرف على الوجوه.