الفضاء السيبراني: مجال الصراع بين الدول

لم تعد الشبكة العنكبوتية مجرد وسيلة للتصفح واستكشاف الأخبار وجلب المعلومات، بل اصبحت وسيلة لأهداف اكبر ومتعددة الأشكال، خاصة بعدما اصبحت ادارتها وسبل التحكم فيها والرقابة عليها مرتبطة بعلاقات الدول في ما بينها ليصبح أمنها ومراقبتها والتحكم فيها مجالاً للصراع بين هذه الدول.

وقد انخرط في صراع السيطرة على الإنترنت لاعبون حكوميون وشركات كبرى خاصة بالإضافة الى العديد من المنظمات غير الحكومية وغيرها، مما ادى الى التساؤول عن مدى سيادة الدول ونفوذها  أمام نفوذ الأفراد والشركات في الساحة الرقمية.

 

الفضاء السيبراني مجال صراع بين الدول

شهدت ساحة الحرب في المجال الافتراضي- Cyberspace خلال السَّنوات الأخيرة العديد من التطورات والتجاذبات ، كان أبرزها ما دار مؤخرًا من هجمات إلكترونية أسهمت فيها دول ومنظَّمات وأفراد، وألحقت أضرارًا مادية ومعنوية، ابرزها عمليات القرصنة الإلكترونية التي بدأت تثير قلق الدول والحكومات، بل وحتى الأفراد، بسبب تعدد الجهات التي تستطيع الانخراط فيها، وصعوبة تتبع مصادرها أو تحديد مكان انطلاقها. ومن هنا أصبحت الشبكة العنكبوتية ساحة نزاعات وصراعات، يدخل في سياقها التجسس والاختراق والتحكم في قواعد بيانات قد تمس الأمن القومي لبعض الدول.

في السابق كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، القوتين الأبرز في العالم وتعقدان القمم من أجل تقليل خطر الحرب النووية. أما اليوم فقد أصبح عقد المؤتمرات يتم بين كل من الولايات المتحدة والصين، والتي تهدف معظمها إلى تقليل مخاطر المواجهة والصراع في الفضاء السيبراني، أو الشبكة العنكبوتية. وتتسبب مسألة الأمن المعلوماتي باضطراب في العلاقة الأميركية-الصينية إذ باتت السيطرة على الفضاء الرقمي أحد الرهانات المركزية في العلاقة بين الجبارين.

ويفيد موقع بروجكت سانديكات بأن المخاطرة أصبحت كبيرة جدا، حيث أن كيفية استجابة العالم لتهديدات الهجمات الإلكترونية سوف تحدد مدى قدرة الأجيال القادمة على الاستفادة من الحقبة الرقمية، فضلا عن توقعات حصول صراع، وهناك أيضا خطر يتمثل في مبالغة الحكومات في رد الفعل، بحيث يمكن أن تفرض حواجز على المعلومات تقيد من خلالها إمكانيات الشبكة العنكبوتية.

 

سياسات البلدان الإلكترونية

لقد أصبحت الهجمات الإلكترونية واحداً من السبل المؤثرة من دون تكاليف كبيرة، بعد أن أصبح العالم أمام قوى تتسلح بالتكنولوجيا الحاسوبية، ويمكنها بكبسة زر الاختراق وارتكاب أفعال تقنية مضرة. فنحن نمر بزمن التحولات التي تكون فيها التكنولوجيا الهجومية أرخص من الدفاعية وأكثر قوة، فالصين ليست الدولة الوحيدة المنخرطة، عبر إجراءات حكومية مباشرة أو غير مباشرة، في عمليات إلكترونية كبيرة ضد الهياكل الاقتصادية والسياسية للدول الأخرى.

ولا شك أن للكرملين الروسي أسبابه التي فرضها من أجل تخزين كل البيانات التي يتم توليدها داخل البلاد، بالرغم من أن ذلك ستكون له انعكاسات باهظة على اقتصاد البلاد، ولكن السياسات التي يتم اتباعها داخل الاتحاد الأوروبي لا تقل إزعاجا عمّا هو في روسيا، حيث أنها تؤدي إلى إقامة حواجز على التدفق الحر للبيانات باسم الدفاع عن خصوصية المواطنين.

الولايات المتحدة ايضاً تحتاج إلى التأقلم بأنها لم تعد القوة الإلكترونية العالمية الوحيدة وأن على سلوكها احترام المعايير المقبولة عالميا والتي ينبغي على الجميع الخضوع لها.

اما بالنسبة للإتحاد الاوروبي، فمن الواضح أن بعض الدول الأوروبية، ومن بينها ألمانيا، لديها اعتقاد بأن بيانات المواطنين لن تكون آمنة إلا إذا تم تخزينها على الأراضي الأوروبية، أي بعيدا عن أيدي الجواسيس الأميركيين.

في الشرق الاوسط يشكل المجال الرقمي إحدى وسائل الدول الساعية للدفاع عن مصالحها، ولكن لا تملك دول المنطقة القدرات نفسها ولا الاستراتيجيات نفسها في هذا المجال.

من جهتها قامت دول الخليج العربي باتخاذ عدة إجراءات لتحسين طرق حماية بناها التحتية مثل شراء أجهزة متطورة تتيح حماية أفضل للأنظمة المعلوماتية والتعاون في ما بينها عبر مركز إقليمي للأمن المعلوماتي تم إنشاؤه في عُمان .

 

تخزين البيانات

تشهد شبكات حكومية وصناعية آمنة في الولايات المتحدة وأوروبا بانتظام العديد من عمليات الاختراق من جانب قراصنة روس وصينيين. كما أن العديد من الدول تقوم بعمليات تنصت على الكابلات الموجودة تحت الماء والتي تحمل اتصالات العالم. إذن فما هي المشكلة التي يعالجها تخزين البيانات؟

لا يكمن حل المخاوف التي تتعلق بالخصوصية في تخزين البيانات وإنما في تطوير أنظمة الأمن وحسن استخدام أنظمة التشفير. فتخزين البيانات يعني في الحقيقة نقلها باستمرار بين المستخدمين دون النظر إلى الحدود، فالأمن في العالم الرقمي يعتمد على التكنولوجيا وليس على الجغرافيا.

ومن المؤكد أن ضمان حماية البيانات وسلامتها مسألة حيوية، ولكن لا يرتبط ذلك بصورة قوية بمكان تخزين البيانات.

 

حواجز تهدد إمكانات الشبكة

أصدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مؤخرا تقريرا يسلط الضوء على كيفية دفع الابتكارات المدفوعة بالبيانات لاقتصادات المستقبل بصورة متزايدة، وتشدد بحزم على الحاجة إلى ترويج الانفتاح في مستوى البيانات العالمية المتعلقة بالنظام البيئي، ومن ثم التدفق الحر للبيانات عبر الأمم والقطاعات والمنظمات.

كما أن هناك أجندة عالمية ضخمة للحوكمة الرقمية، وتشمل وضع معايير رسمية وغير رسمية لسلوك الدول والآليات القانونية المثلى لمواجهة الجرائم الإلكترونية العابرة للحدود، وسن تشريع قومي شفاف من أجل فرض القانون، والإقرار بالحاجة إلى التشفير لحماية سلامة البيانات، لكن لا ينبغي أن تقيد الجهود المبذولة في مكافحة الإرهاب والتصدي للجرائم الإلكترونية المبادئ التي تقوم عليها الإنترنت.

اذاً من الواضح أن هناك حاجة إلى سن قواعد سير للفضاء المعلوماتي، وربما تكون قمة الفضاء المعلوماتي هي الخطوة الأولى في هذا الاتجاه. ولكن الخطر لا يكمن فقط في المواجهة السياسية بين الدول، فالخوف من فقدان السيطرة داخل الدول يدفع نحو متطلبات جديدة لتخزين البيانات وحواجز أخرى جديدة سوف تقسم الإنترنت في النهاية وقد تتم تجزئتها حسب البلدان.

 

الخلاصة

لقد أصبح الإنترنت بالفعل أهم البنى التحتية في العالم، ولكن هذه هي البداية فحسب وسرعان ما ستصبح البنية التحتية لكل البنى التحتية الأخرى، ولن يكون هناك مجال أمام السياسات الناتجة عن الاضطراب والفوضى والمواجهة في هذا العالم الجديد.

AcyMailing Module

Latest Tweets

App Download