كيف غيّرت الأجهزة التقنية مفهوم المدارس والتعليم ؟

لم تترك الوسائل الإلكترونية الحديثة قطاعاً إلا وحطت رحالها فيه وأصبحت عنصراً مهماً في ديناميكياته. وقد دخلت هذه الوسائل أيضاً في المدارس وقطاع التعليم، وهي اليوم تتجه نحو تثبيت حضورها شيئاً فشيئاً كطريقة لتعليم مختلف المواد والتفاعل معها، وقد بتنا بالفعل نرى بعض المدارس تستغني اليوم عن الكتب بأجهزة الأيباد والـTouch Screen  مكان اللوح.

لا شك ان الأجيال السابقة عانت من "أثقال العلم" ولكن هل تُعفى الأجيال الجديدة من حمل الأوزان الثقيلة؟ وهل تحل التكنولوجيا هذه المشكلة ويستعاض عن الكتب والدفاتر والأقلام بالكومبيوتر اللوحي او الآيباد وغيرهما من الأجهزة المتطورة؟

 

الإيجابيات والآراء المعارضة

مع التقدم التقني الذي يشهده هذا العصر في مختلف المجالات ، أهمها الثورة التي حدثت في تقنيات الاتصالات والمعلومات، لا بدّ لمجال التعليم من استغلال التقدم التكنولوجي وتسخيره لمصلحة طلاب المدارس والجامعات لتسهيل عملية الاستيعاب وتخزين المعلومات العلمية والثقافية والحسابية وغيرها، من هنا تبرز إيجابيات عديدة لاستخدام الوسائل الإلكترونية في التعليم أهمها:

  • أن يصبح الطلّاب أكثر تناغماً وتفاعلاً مع العالم الذي يسير سريعاً في ركب التكنولوجيا.

 

  • حين يتعلّم الطالب في المدرسة بوسائل تكنولوجية، سيشكل الأمر حافزاً له في المستقبل، خاصة إن أصبح من أصحاب الاختصاصات التكنولوجية، ليطوّر هذه الوسائل ويحسّن مستواها لخدمة الأجيال القادمة.

 

  • تسمح بعض التقنيّات للطلاب بمعاينة بعض الدروس التي يتلقّونها في مجال العلوم بشكل مباشر.

 

  • من خلال التقنيات التي تسمح بتسجيل الدروس بالصوت والصورة بشكل واضح ونشرها على حساب المدرسة على يوتيوب، يستطيع الطلاب مراجعة الدروس في المنزل تماماً كما شُرحت من قِبَل المعلّمين.

 

  • تسجيل الدروس ونشرها على الإنترنت يسهّل أيضاً على أهالي الطلاب الاطلاع عن كثب على ما يتلقّاه أبناؤهم كما يسهّل عليهم بشكل كبير مراجعة الدروس للأبناء بطريقة أكثر تناغماً مع طريقة المعلّم.

ولكن في مقابل هذه الإيجابيات، تختلف آراء العديد من الناس حول مدى ايجابية استخدام التقنيات الحديثة مثل الآيباد وغيرها في مجال التعليم، وعن احتمالية استبدال المنهاج والكتاب المدرسي بتلك الاجهزة التكنولوجية المتطورة التي توفر سرعة الحصول على المعلومة، وتختصر حمل الحقيبة المدرسية المتخمة بالكتب والدفاتر والقرطاسية، فالبعض يعتبرها مواكبة للتطورات التكنولوجية في مجال التعليم الإلكتروني والانفتاح على الثقافات، بينما البعض الآخر يراها غزوا لعقول الطلبة وأذهانهم، وتعارض سير النظام التعليمي التقليدي.

كما يخشى البعض أن يسبّب الاعتماد على المعدّات الإلكترونية خفضاً في نشاط الذاكرة عند تلاميذ المدارس، إذ أن القراءة والكتابة هما الوسيلتان الأكثر نفعاً في تنشيط الذاكرة، واستعمال الإلكترونيات يخفّف كثيراً من الحاجة إلى القراءة، عبر مشاهدة الفيديوهات، ومن الحاجة إلى الكتابة ونقل المعلومات حيث أنّ كل ما يحتاجه الطالب مخزّن أمامه ويستطيع أن يصل إليه بقليل من البحث.

 

أهميّة التّقنيات الحديثة في مجال التّعليم

تكمُن أهميّة التّقنيات الحديثة في مجال التّعليم في ما يلي:

  • تقوم التّكنولوجيا بدور المُرشد الذي يقوم بتوجيه مُعلّم المادة العلميّة للدّارِس، وتُبدِّل الطّريقة القديمة للشّرح وطُرق التّدريس التقليديّة.

 

  • إنَّ الوسائل التعليمية الحديثة ببرامجها ووظائفها المُختلفة في مجال التّعليم تُحفّز على اكتشاف المواهب الجديدة وتنمية القُدرات العقليّة في مُختلف المواد الدراسيّة.

 

  • تُوفِّر التّكنولوجيا مصدراً غزيراً من المعلومات التي يحتاج لها المُعلّم والطّالب على حدٍّ سواء، فقد أصبحت شبكة الإنترنت بحراً واسعاً يحتوي على معلوماتٍ وافرة كالموسوعات والقواميس والخرائط وغيرها من المصادر المعلوماتيّة التي يصعُب الحصول عليها بالطُّرُق التقليديّة في البحث.

 

  • إنَ تدخُل التّكنولوجيا في معالجة المواد العلميّة التي يتلقاها الطّلبة أصبح أمراً لا بُد منه، وكذلك تدريبهم على احتراف استخدامها ومحاولة جعلها وسيلة للطّالب بعد تَخرجه من المدرسة ومرشداً له ومعيناً، حيثُ إنَّ سوق العمل العام أو الخاصّ أصبح أمراً مفروغاً منه لمُمارسة عملهم بوسائل تكنولوجيّة مُتطوّرة جدّاً، واختفاء الطُّرُق التقليديّة.

إذاً التكنولوجيا بجميع وسائلها المتطورة تستطيع أن تغيِر بشكل جذري المستوى التعليمي الخاص بالمعلم وكيفيّة تنمية قدراته الشخصية في الشرح وحثّه على أن يُعطي فرصة أكبر وأسهل لفهم وتلقي الدّارِس للمادّة العلميّة، وهذا بدوره سينعكس على تنمية القُدرات الذهنيّة والفكريّة للطّالب، إضافةً لصقل مواهبه والاستمتاع بموادّه الدراسيّة.

 

أبرز التقنيات التعليمية الحديثة

 

شاشات سامسونغ بتقنية LED

ليست بالتقنية الجديدة حيث أطلقتها الشركة الكورية في عام 2009، لتلحقها مؤخرًا بنسختين جديدتين من هذه الشاشات بتقنية LED للإضاءة، والتي تقدم تجربة رائدة في عالم التعليم التفاعلي بما توفره من شاشات عرض كبيرة الحجم، توفر تجربة مشاهدة مميزة، معتمدة على حجم أكبر ووضوح أعلى.

ويستطيع المعلمون والطلاب الكتابة والرسم على الشاشة، وعرض الدروس عليها من خلال أجهزة الحواسب المكتبية واللوحية الأخرى وكذلك من خلال الهواتف الذكية وذلك عبر تقنية Autosource Switching. حيث تحفز هذه الشاشات الطلاب على المشاركة والتفاعل خلال الدرس أو المحاضرة.

كما يمكن إنزال التطبيقات الذكية عليها والاتصال بشبكة الإنترنت، وإضافة الجداول الدراسية ومحتوى المحاضرات والدروس عبر استخدام قوالب معدة مسبقًا، وإعداد تشكيلات من الشاشات نظرًا لحوافها الرفيعة مما يتيح تكوين شاشات عرض ذات مساحة كبيرة جدًا تناسب عددا كبيرا من الطلاب. ويمكن التحكم في تشغيلها من خلال الأجهزة الذكية أو عن بعد.

 

الهولوغرام

تتيح هذه التقنية محاكاة للشخص نفسه، وإقامة العديد من الفصول الدراسية عن بعد وربطها ببعضها، حيث يمكن للطالب أن يرى صورة ثلاثية الأبعاد طبق الأصل من أستاذه في غرفة معيشته مثلًا في حين أن أستاذه قد يكون موجودًا خارج نطاق دولته.

وتمكّن هذه التقنية أيضًا من استخدامها في تسجيل المحاضرات بأبعاد ثلاثية، وتوفير كلفة حضور المحاضر من مكان لآخر. بل يمكن أن يعطي محاضرة في عدة جامعات في نفس الوقت. وتظهر الأبحاث الواعدة في تطوير هذه التقنية ما لها من آفاق في العديد من المجالات وخاصة في ميدان التعليم؛ فمن المتوقع ابتكار العديد من الألعاب التعليمية الجديدة والأكثر واقعية وإثارة مما يدفع العديد من الطلاب للمشاركة في العملية التعليمية.

 

التعلم الافتراضي

توفر تطبيقات عدة مثل zSpace  آفاقًا جديدة للتعلم الافتراضي، حيث يوفر هذا النظام بيئة تفاعلية تعتمد على التصوير المجسم. كما يمكن أن تقوم بالعديد من الجولات الافتراضية التعليمية عبر العديد من المواقع فيمكنك إجراء جولة افتراضية حول الكلية التي ترغب في ارتيادها على سبيل المثال.

 

الطابعات ثلاثية الأبعاد

ظهرت مبادرات في هونغ كونغ وفنلندا لتوفير طابعات ثلاثية الأبعاد صغيرة وبتكلفة رخيصة في كل مدرسة، وتتيح هذه الطابعات تصنيع مجسمات بمواصفات فيزيائية وميكانيكية مختلفة. كما أطلقت شركة GADGETS3D مشروع طابعة في كل مدرسة عبر تصميم طابعة صغيرة ومنخفضة التكلفة مخصصة للقاعات الدراسية. ولكن إلى الآن لا توجد مبادرة عربية وحيدة في هذا الميدان.

 

الكتب الرقمية

انتشرت الكتب الإلكترونية وصارت تنافس الكتب الورقية، بجانب وجود العديد من الكتب التفاعلية وبالأخص القصص الكرتونية والتي من الممكن الحصول عليها في كثير من الأحيان بالمجان وصار توفرها في متناول اليد خاصة مع انتشار الحواسب اللوحية.

 

الساعات والعدسات الذكية

أنتجت شركة أبل إصدار الساعات الذكية تحت اسم iWatch وتعد هذه الساعات وسيلة فعالة لجعل الطلبة على اتصال مع مدرسيهم وهواتفهم النقالة، حيث يمكنهم متابعة بريدهم الإلكتروني وواجباتهم ومهامهم وخططهم اليومية مما يساهم في رفع كفاءة العملية التعليمية.

فيما يَعِد النموذج الأول من النظارات والعدسات الذكية iOptik التي أنتجتها شركة Innovega بإعطائك قوة بصر خارقة، حيث تتيح لك العدسات قدرة على رؤية التفاصيل الدقيقة، فيما توفر النظارات المصاحبة منصة عرض للتطبيقات والوسائط المتعددة. فهي أشبه بالنظر لشاشة تلفاز كبيرة وهي أكبر ست مرات في الجودة و20 مرة في الحجم بالمقارنة بنظارة غوغل ويمكن ربط النظارة مع الهواتف الذكية.

 

استخدام تطبيقات الألعاب في التعليم

أثبت العديد من الأبحاث فعالية الألعاب في التعليم، حيث تحفز الطالب على حل المشكلات والتفكير، ويكون أكثر تقبلًا لحل المهام الصعبة إذا ما صممت على شكل لعبة، كما تعزز لديه الرغبة في التنافس والفوز والنجاح.

ظهر العديد من تطبيقات الهاتف المحمول التي تستخدم الألعاب في تعلم اللغات والرياضيات، ومن المتوقع تزايد أعداد هذه التطبيقات على المستوى المحلي والعالمي.

في المحصلة، وبالرغم من التطورات الهائلة التي يمكن ان تحدثها التقنيات في مجال التعليم إلا ان الآليات الحكومية تغيب في هذا المجال لا سيما في العالم العربي، نظراً إلى عدم انتشار هذا الأسلوب بشكل كبير حتى الآن، لكن لا يُخفى على أحد أنّ عدد المدارس والجامعات التي تلجأ إلى الوسائل الإكترونية في ازدياد في مختلف الدول، مما سيفرض على الحكومات بعد فترات معيّنة وضع هذا التطوّر تحت مجهر الدراسة والمراقبة. أما بقاء الحكومات بعيدة عن إجراء دراسات حول الموضوع، واتباع خطة واضحة لمجابهة السلبيات والاستفادة من الإيجابيات، فقد يأتي بنتائج سيئة جداً قد تظهر بصماتها بعد عشرات السنين على مستقبل الأجيال القادمة.