loader image

ما علاقة صحتك النفسيّة بالعالم الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي؟

بين قائمة العواقب والتهديدات التي خلّفها التقدّم الالكتروني والشبكة العنكبوتيّة، سلسلة من الرواسب المباشرة وغير المباشرة التي يتعرّض لها أي مستخدم أوشركة بشكل يومي. فمع هذا التطوّر الرقمي الملحوظ، يزيد الخوف والحذر من كيفيّة استخدام التقنيّات والأجهزة التكنولوجيّة بأسلوب يضرّ بالمستخدم أكثر ممّا يفيده. كما استطاعت ظاهرة التكنولوجيا أن تكون سلاحاً بيد من يريد أن يبتزّ شخصاً معيّناً، لتشكّل بهذه الطريقة نوعاً من أساليب الضغط. الهدف إذّا لم يَعُد واحداً وراء اللجوء إلى الانترنت والمواقع الالكترونيّة، بل توسّعت وتضاعفت الأهداف، لتطال أمن البيانات الشخصيّة أي ما يسبّب خسائر “ملموسة”، لتؤثّر على الرأي العام ما يؤدي إلى تداعيات إجتماعيّة ضمن نطاق أوسع، لنشهد اليوم خطّة جديدة للاستفادة من الانترنت ألا وهي استهداف المستخدم شخصيًّا، أي التعرّض له بالشخصي ممّا سينعكس “نفسيًّا” على الناشط.

في هذا الاطار، مصطلح جديد دخل ضمن سلبيات يعكسها الاستخدام “المؤذي” للانترنت، وهو التنمر الالكتروني. مع توسّع الشبكة الاكترونيّة وارتفاع عدد المتصلين بها تمكّنت فئة من الأشخاص من استغلال هذه الأخيرة لتدبير وتنظيم “موقع فَخّ” للمبتدئين إذا صحّ التعبير. في يومنا هذا، يمكن الحديث فعليًّا عن مشكلة واضحة باتت متفشيّة في مختلف المجتمعات حول العالم. فبحسب الدراسات، 34% من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي تعرّضوا للتنمرّ الالكتروني مرّة واحدة على الأقل، ونحو 87% من المراهقين بصورة خاصة هم المستهدفون من عمليّة التنمر الالكتروني.  فما هي العناصر التي ساهمت بتفاقم هذه الظاهرة؟ وإلى أي مدى ممكن ان تكون تداعيات التنمر الالكتروني موجعة فعلاً؟

إحذروا التنمر الاكتروني!

التنمّر الإلكتروني أو Cyberbullying،  يكمن بتعرّض أي شخص “الضحية”، للتهديد والإذلال والتهكّم اللفظي والإعتداء المعنوي أو الإحراج، من قبل شخص آخر أي “المعتدي” وذلك عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي والصفحات الرقمية، فمن أكثر المواقع التي  يتعرّض فيها الأشخاص للتنمر الإلكتروني هو موقع فيسبوك، تويتر، إنستغرام، سناب شات، البريد الإلكتروني، ياهو أو الهوتميل. فبمجرّد وصول رسالة إلكترونية إلى الضحيّة تسيء اليه أو تتعرّض له، أو مجرّد أن يضع المتنمٍّر صورة مشوّهة للضحية،  ممّا يُشكّل الخوف الأكبر للأغلبيّة، هذا يُعدّ أسلوباً من أساليب الابتزاز التي يعتمدها المتنمّر للحصول على مبلغ مالي معيّن أو الانتقام عل الصعيد الشخصي من الضحيّة. كما لا بدّ من الاشارة إلى أن مفهوم التنمّر الإلكتروني لا ينحصر ضمن سلوك واحد ووحيد بل تتعدّد الأنواع والأساليب بشكل تصاعدي. البعض يعتمد أسلوب المضايقة، عبر إرسال رسائل مُهينة ومسيئة للآخرين، أو كتابة تعليقات من هذا النوع. ومن الأساليب المعتمدة أيضًا، تشويه السمعة التي ترتكز على نشر معلومات مزيّفة أو صور غير لائقة، بهدف السخرية ونشر الشائعات. الانتقاد، وهو ثالث نوع من أنواع التنمّر، الذي يرتكز على التعرّض بشكل صارم للآخر، أخيرًا وليس آخرًا انتحال الهوية، أي  اختراق حساب شخصي لشخص ما وانتحال شخصيته لإرسال معلومات وأمور محرجة عن الآخرين. وأخيرًا، الخداع وهو عند قيام المتنمّر بخداع الضحيّة للكشف عن أسراره ثمّ نشرها وإرسالها إلى الآخرين. وتشير الدراسات إلى أن النساء هنّ عرضة للتنمرّ الالكتروني أكثر من الرجال، خصوصًا في المجتمعات الذكوريّة التي تساعد على ازدياد هذه النسبة بشكل ملحوظ، حيث المرأة تخاف المواجهة وفضح المبتز.

ماهي الآثار الجانبيّة للتنمرّ على الفرد؟

كما ذكرنا أعلاه، ليس هناك طريقة واحدة لممارسة التنمر على الأفراد، فهذه الطرق ترافقها سلسلة من الآثار الجانبيّة التي تولًد لدى الضحيّة المستهدفة بشكل خاص. يشير بعض الباحثين في هذا الصّدد عن أن ردّ فعل الفرد تجاه تعرّضه للتنمرّ تختلف بحسب العمر وبحسب مدى ثقة الشخص “الضحيّة” بنفسه وقدرته على مشاركة تجربته بالتعرّض للابتزاز مع أفراد عائلته أو مع الجهات المعنيّة التي تعمل على ملاحقة المبتز، فمشاركة التجربة ممكن أن تساعد الضحية بشكل كبير على تخطّي الموضوع وعدم الخوف.

فكيف تختلف هذه الآثار من ضحيّة إلى أخرى وهل من أنواع متعددة؟

إن تلميذ المدرسة الذي يتعرّض لأي نوع من أنواع التنمّر ممكن أن يؤثّر ذلك بشكل تلقائي على أدائه وسلوكه في الدراسة والمدرسة: حيث سيشعر التلميذ بالقلق أوّلاً، ومنهم من سيخشون من مشاركة الابتزاز الذي يتعرّضون له مع الأهل، بالاضافة إلى ذلك، قد يواجه التلميذ صعوبات في التركيز ممّا يضعف قدرته على حصر أفكاره وتذكّر المعلومات بشكل دقيق. ولا بدّ من الاشارة إلى مجموعة من الآثار العاطفيّة والاجتماعيّة التي يتسبّب بها التنمّر على الآخرين: إن ضحيّة التنمّر قد يتّجه نحو الانعزال أكثر عن محيطه ومجتمعه، فيجد صعوبة في الحصول على الصداقات وقد ينتاب الضحيّة الشعور بالغضب، الضعف، والعجز، والإحباط، والعزلة. وممكن ان تكون الآثار أبعد من ذلك، فقد يشعر البعض بالرغبة في الانتحار خصوصًا الذين يعتقدون أن الابتزاز ليس له حلّ ممكن أن يأتي بجدوى، والسبب الأساسي هو مجرّد تفكير الضحيّة بردّ فعل المجتمع والرأي العام والناس المحيطين به  عند معرفتهم بالموضوع. أما البعض فقد يكون لديه ردّ فعل عكسيّ، فتتّسم تصرفاته بالشراسة والعدائيّة نحو الآخرين أو قد يصيب البعض بعوارض الاكتئاب، ومنهم من يلجأ إلى محاولة شرب الكحول أو تعاطي المخدرات.

لا تقتصر الآثار على ردود الفعل النفسيّة والعاطفيّة، بل للآثار الجسديّة جزء من العناصر التي تظهر على الضحيّة نتيجة تعرّضه لأي نوع من أنواع الابتزاز: حدوث تغيّرات في روتين النوم، أنماط تناول الطعام. الابتعاد عن الأنشطة اليوميّة، وعدم الاهتمام بها.

للتنمر آثار جانبيّة  سلبيّة على الفرد، قد يربط بعض الأطباء الحالة النفسيّة السيئة للأشخاص بحسب عدد الساعات التي يقضونها مع مواقع التواصل الاجتماعي. فبحسب شيمي كانغ، طبيبة نفس كندية متخصصة في تأثير الإدمان على الصحة النفسية للأطفال والمراهقين:” هناك رابط بين الاكتئاب والقلق وعدم الرضى عن شكل الجسم وبين الإفراط في استخدام الأجهزة والتقنيات الرقمية، وباتوا يشخصون الإدمان الرقمي كأحد الاضطرابات النفسية”.

هل من سبل لتجنّب التنمّر؟

مهما تعقّدت الأمور لا بدّ من حلول يمكن أن نتوصّل إليها من خلال الوقاية وأخذ بعض التدابير فقط لاغير لتجنّب التنمّر:

معرفة نوع التنمّر الإلكتروني، ومشاركة الضحيّة أصدقاءه وأهله في معلوماته، ألّا يعطي كلمة سر بريده لأحد، تجنّب نشر صور ممكن أن تستخدم ضدّ الضحية. ومن التدابير التي ممكن اعتمادها أيضًا، مراقبة خصوصية ما يتمّ نشره على المواقع الالكترونية أو Setup privacy control والأهم أخذ الحذر من المتنمرّين كافّة لعدم الوقوع تحت رحمتهم مرّة جديدة.

الواقع الافتراضي… مصدر الاكتئاب؟!

“تجري الرياح بما لا تشتهي السفن”، هذه هي حال تأثير مواقع التواصل الاجتماعي التي تبدو عليها اليوم. لا أحد يمكن أن ينكر أهميّة هذه المواقع على صعيد حياة الانسان اليوميّة، إنما بدأت التأثيرات تجري بعكس التيار. فتشير بعض الدراسات الى أن نسبة الاكتئاب لدى الناشطين عبر المواقع الاجتماعيّة ترتفع والسبب يعود إلى متابعة هؤلاء صفحات مشاهير او أشخاص من الطبقة الغنيّة مما يجعلهم يبدأون المقارنة بين حياتهم وما يتابعون عبر صفحات هؤلاء. ومن الملفت أن أغلب الحسابات على مواقع التواصل لا سيّما الصور المتشاركة على تطبيق انستغرام تُظهر حياة الرفاهيّة للمستخدم، هذا ما ينعكس بشكل سلبي على العقل الباطني للمشاهد، وتقول خبيرة الطب النفسي سونيا أوتز، :”إن الاستهلاك السلبي لما ينشر على هذه المواقع بمعنى عدم التفاعل معه، يمكن أن يؤدي أكثر من أي شيء آخر إلى تدهور الحالة المزاجية للمستخدم”.

الحقيقة ليست دائمًا عبر الصور المنشورة، فممكن أن تكون كافّة المعلومات المنشورة على المواقع والتطبيقات الالكترونيّة مجرّد صورة مزيّفة بعيدة كلّ البعد عن الحقيقة الفعليّة. لذا لا يجب أن يكون أي مستخدم ضحيّة للتضليل الذي ترسمه مواقع التواصل الاجتماعي. ليبقى العالم الافتراضي بما فيه والعالم الحقيقي بما يملكه!

 

الخبر السابق

واتساب يودّع هذه الهواتف عام 2020

الخبر التالي

QR Code: مخاوف من الجيل الثاني لرمز الاستجابة السريعة