loader image

الثورات الصناعية… من آلات حديدية إلى تحوّلات رقمية

شهدت بدايات الأعوام الماضية تقدّما ملحوظاً في كل ما يتعلّق بمجال الصناعة، التحول الرقمي، الابتكارات الالكترونية والأجهزة المتطوّرة. إلى جانب ذلك، اتجهت اهتمامات الشركات الكبرى نحو توسيع سعة البيانات لديها لتتماشى مع التطوّر الحاصل، فبحسب احصاءات شركة  ستاتيستا، فإن حجم الإنفاق على مراكز البيانات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سيتخطى الـ 5.1 مليارات دولار بحلول العام 2020، أي بزيادة قدرها 8.5% عما حققه في العام 2017. 

لا يمكن حصر وجود التقنيات الالكترونية الحديثة ضمن فترة زمنية محدودة، فهي كانت موجودة  منذ العصور القديمة وتقدّمت لتصل إلى ما هي عليه حالياً. فلم يكن نمط حياة الانسان مستقيماً كلياًّ فدخلت عليه نقاط تحوّل بارزة وابتكارات تقنية لافتة ما زالت تُعتبر لغاية اليوم حلقة مفصلية دفعت الى انشاء حقبة مختلفة تماماً عن التي سبقتها.

لكل حقبة ميزاتها وعناصرها الفريدة التي أتت لتبهرنا بها، وكلّما تنوّعت هذه الميزات كلّما اتخذت حياتنا الاتجاه الأسرع، “الأذكى” والأسهل على الاطلاق. الثورة الصناعية الأولى التي بدأت في بريطانيا، قدّمت الطاقة البخارية والمصانع فتحوّل عمل الانسان من عملية انتاج مرتكزة على الحركة اليدوية إلى استراتيجية تصنيع عن طريق الآلات، فضلاً عن إدخال المواد الكيماوية من الجيل الأول. إلى أن أتت الثورة الصناعية الثانية لتكمل ما بدأته الأولى إنما ضمن نطاق أوسع، فعُرفت هذه الأخيرة باسم “الثورة التكنولوجية” أيضاً لما تميّزت به من زيادة استخدام الآلات والطاقة البخارية والاتصالات الكهربائية في كافة جوانب الحياة العملية اليومية.

نأتي إلى الثورة الصناعية الثالثة التي انطلقت من أوروبا والتي تجلت بالابتكارات الالكترونية الأولى  التي لم يسبق أن شهدتها الثورات السابقة، فانتشر أثناءها مفهوم الاتصالات، الهواتف المحمولة، الروبوتات، الالكترونيات إلى أن توسّعت التكنولوجيا بشكل عام لتطال مختلف القطاعات الاقتصادية، الصحية، الزراعية وغيرها… وسلِّمت شرارتها إلى الثورة الصناعية الرابعة التي وضعت العالم بأكمله على أبواب عصر جديد تسوده الانجازات الرقمية، الابتكارات غير المسبوقة التي تقود الانسان نفسه إلى التحوّل وليس العكس.  فما أهمية تحقيق هذه الثورة؟ وما هي الأبعاد التي ستقودنا نحو العالم الرقمي ؟ 

الثورة التكنولوجية الرابعة

لعلّك سمعت بنسخ الثورة الصناعية الثلاث، فبعد الأدوات البدائية البخارية البسيطة أو حتى الكهربائية منها التي كنّا نستخدمها والعمل الشاق الذي كنّا نتكبده، حان الوقت لتغيير المعادلة ولنبدأ بأسلوب جديد مختلف  يعتمد على الأجهزة الذكية بصورة خاصة. ها هي الثورة الصناعية الرابعة تظهر لا لتغيّر ما نقوم به أو الأساليب التقليدية المعتادة فقط بل لتغيّرنا نحن كبشر أيضاً قلباً وقالباً. فمع تقدّم الصناعة الالكترونية أصبح من الصعب التمييز بين الأجهزة الحقيقية أو الاصطناعية، هنا تكمن قوّة هذه الثورة بنقل العالم الافتراضي وتجسيده بالعالم الملموس.

ما زالت الثورة الصناعية الرابعة في مراحلها المبكرة، إنما على الرغم من الفترة الوجيزة هذه تمكّنت من نقلنا إلى عصر جديد يجمع بين الأنظمة الرقمية والأنظمة البيولوجية والفيزيائية، البرمجيات والانجازات المعلوماتية. ووفقاً للبروفيسور كلاوس شواب، مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن هذه الثورة بدأت فعلياً مع مطلع هذا القرن معتمدةً بشكل أساس على شبكة الانترنت وكافة الأجهزة اللاسلكيّة، كذلك على الذكاء الاصناعي، الروبوتات، وكل ما له علاقة بالابتكارات الرقمية. علاوة على ذلك، يجد شواب أن الأنظمة الذكية هي من أهم العناصر التي سرّعت وتيرة الثورة التكنولوجبة أي الثورة الرابعة، عكس سابقاتها.

تهدف الثورة الصناعية الرابعة الى خلق استراتيجية عيش أو عمل بعيدة كل البعد عن السابق، فبينما كانت الشركات ترتكز على اليد العاملة بالدرجة الأولى لتنفيذ منتجاتها، اختلفت اليوم واصبحت الآلات هي التي تقوم بكافة المهام وحدها إنما تحت مراقبة العمّال. لذلك يرتبط مفهوم التطوّر هنا بالجهوزية الكاملة للصناعة ليقتصر دور الانسان على المراقبة والتدقيق ققط.

تحوّلات  وتغيّرات

من الطبيعي أن يكون لهذه الثورة سلسلة من التغييرات التي ستبهر العالم لا سيمّا في الدول النامية والمتقدمة، إنما في المقابل لا يجوز استقبال هذه التغييرات من دون الأخذ بالاعتبار مجمل الأمور التي يجب ان يتمّ تعديلها على أساس يتماشى مع هذا التقدّم. إن الشبكات المتطوّرة والأجهزة الذكية ستفرض بطريقة أو بأخرى على الجهات المسؤولة دعم البنية التحتية الرقمية وإنشاء هيكلية إجتماعية، إقتصادية، متحضّرة تتوافق مع لوازم الثورة الصناعية الرابعة. ومن الايجابيات التي استفاد العالم منها توفّر الفرص للمجتمعات لتحقيق التنمية البشرية والاقتصادية المبتغاة بكلفة متدنيّة، بالاضافة إلى ارتفاع في معدل الارباح المحقّقة من قبل الشركات الكبرى خصوصاً التكنولوجية والتي لها شأن بالاتصالات والمعلوماتيّة حيث دعمت هذه الأخيرة خدماتها أمام العملاء لما يرضي تطلعاتهم. أما بالنسبة للرعاية الصحية، فهي من أهم القطاعات التي طالها التطوّر مع الثورة الصناعية الرابعة بعدما تغيّر النهج الصحي أي أن الآلات وأجهزة الذكاء الاصطناعي بات بامكانها اليوم أن تحرز ما لم يستطع الانسان وحده انجازه، فالحلول أصبحت متعدّدة.

الكفاءة العالية والخدمة المميّزة هي التي يراهن عليها كل من يدخل العالم الرقمي، فكلما مرّ الوقت على هذه التقنيات الذكيّة كلما ظهرت التقنيات الأحدث والأسرع، فلا مجال للتوقّف في عاصفة التكنولوجية.

التكنولوجيا الرقمية دخلت أغلب المجالات ومنها النقل، أي صناعة السيارات التي باتت وكأنها كمبيوتر متنقّل بأربع عجلات. يشير الخبراء في هذا الخصوص الى أن نحو 40% من السيارات الحديثة تتألف من مكوّنات إلكترونية متصلة بالانترنت تسمح للسائق بالتواصل معها وكأنها كائن حي. وفي ظلّ التهافت على اقتناء هذا النوع من السيارات، أعلنت شركة “أيبول” و”غوغل” عن تجربتيهما في صناعة السيارات ذاتية القيادة، ما يعني  أن شركات التكنولوجيا الحديثة يمكن أن تتّجه نحو عالم السيارات وتفرض تحدياً كبيرا للشركات التقليدية.

ولتأكيد نظريّة ان التكنولوجيا ستجتاح العالم بحلول السنوات القليلة المقبلة، تبيّن عبر استطلاع للرأي أجري على مدراء تنفيذيين للشركات أن بحلول العام 2025 سيستخدم ما يقارب 10% من الناس النظارات الذكية التي تمكّن المستخدم من الدخول الى موقع إلكتروني من دون استعمال اليدين حتى، بل من خلال التعامل مع الانترنت واستنادا الى الصوت فقط.

لا تقتصر التغييرات على تلك التي ذكرناها فقط، بل هي مجرّد جزء صغير من الذي سنشهده مستقبلياً من مدن ذكيّة، شبكات لاسلكيّة، إنترنت خارق وخدمات خيالية.

الامارات تستجيب للانقلاب الرقمي

 ما هي توجهات التكنولوجيا؟ أو إلى اي مدى ستتمكّن من السيطرة على كل ما يحيطنا؟ أسئلة بديهيّة تطرح تترافق مع هذا التحوّل الرهيب الذي غيّر المبادئ ونمط الحياة بشكل عام. من تقنيات بسيطة إلى  خطط عمل منظّمة، هكذا دخلت التكنولوجيا الى الدول لتحوّلها إلى مدن رقمية، وفي هذا السياق، بدأنا نسمع بالمدن التي تتبنى التحوّل الرقمي كالامارات العربية المتحدة التي سعت لوضع خطّة تنفيذية تتعاون من خلالها مع الحكومات والشركات لدمجها بالتحول الرقمي. على ضوء ذلك، عملت دولة الإمارات على رصد المبالغ المالية اللازمة لدعم التكنولوجيا في كافة القطاعات بهدف تحقيق التنمية الاقتصادية ورفع الناتج المحلي. بالاضافة إلى ذلك تلتزم الحكومة الاماراتية بتطبيق عدد من المبادرات والخطط المستقبلية تدعم عبرها مختلف الابتكارات وتقنيات تكنولوجيا الثورة الصناعية الرابعة، لتكون مختبراً عالمياً مفتوحاً لتجربة هذه الأخيرة والتسريع في خلق أسواق عالمية لها ضمن النطاق الصحيح خصوصاً في مجالات مثل البلوك تشين، والسيارات ذاتية القيادة، أو الطباعة ثلاثية الأبعاد والذكاء الاصطناعي.

 ماذا سيحل بالبيانات في الـ2020؟

تُرافق هذه التقنيات لائحة بالتعديلات التي ستتطرق الى سعة البيانات والشبكات اللاسلكية لتتناسب مع كل التطوّر الذكي “الخارق”، فتشير الدراسات الى أن العام 2020 سنشهد على نمو بسعة البيانات وانتشار الذكاء الاصطناعي بما أنه الوقود لكافة الأجهزة المتطوّرة. ففي الامارات، من المتوقع ازدياد استثمار الذكاء الاصطناعي لما له من انعكاسات ايجابية على النمو الاقتصادي للشركات بنسبة 1.6%، مضيفةً ما قيمته 182 مليار دولار لحجم تداولات الاقتصاد الوطني بحلول العام 2035 من جهة، ولرفع مستوى الانتاجية لدى الموظّف من جهة أخرى فضلاً عن توفير الوقت وتسهيل عملية التنفيذ للمنتجات بيد عاملة أقل. أما الشركات التي لن تدخل المخاض الرقمي التنافسي فلن تحافظ على مكانتها في السوق المحلي أو العالمي.

المرحلة المقبلة لعصر التكنولوجيا

بناء على ما تقدّم، ستتوجّه الأنظار في العام الحالي إلى كل التقنيات السريعة الذكية كالجيل الخامس، الذكاء الاصطناعي، إنترنت الأشياء، ليُترجم ذلك عبر توسيع الشركات أعمالها وتشغيلها مراكز البيانات بشكل أكبر. أما على صعيد الأفراد، فالهاتف المحمول والشبكات الخلوية المدعومة بالجيل الخامس ستغني قطاع الاتصالات حيث أن حصة خدمات الهواتف المحمولة ستشكل 4.8 % من إجمالي الناتج المحلي العالمي بحلول العام 2023، أي 4.8 تريليون دولار من القيمة الاقتصادية.

 

 

الخبر السابق

العملة الرقمية”ليبرا” …هل تسلك طريقها الى التداول؟

الخبر التالي

التكنولوجيا الفائقة في مواجهةٍ ضدّ فيروس كورونا في ووهان الصينية