loader image

العملة الرقمية”ليبرا” …هل تسلك طريقها الى التداول؟

لكل قطاع مرحلة ذهبية يتقدّم فيها على القطاعات الأخرى لفترة معيّنة فيستفيد الانسان من الخدمات والميزات التي يوفّرها ولم تتواجد في سائر المجالات. بصورة أوضح، تشكّل القطاعات بمختلف مجالاتها حلقة مترابطة ومتماسكة، فعلى قدر ما يقدم القطاع وحده من ايجابيات، تخيّل تأثيره بعد دمجه بقطاع آخر كقطاع السياحة مع الاقتصاد، الصحي والمعلوماتي… بينما القطاع الأهم الذي نشهد على بروزه في عصرنا اليوم هو قطاع التكنولوجيا والمعلومات. 

في وقت باتت أهم نشاطات حياتنا تتمحور حول استخدام  المنصات والمواقع الالكترونية، لا بدّ من الاعتراف أن قطاع التكنولوجيا والمعلومات مهّد الطريق أمام العديد من الفرص التي أصبحت متاحة أمامنا وبشكل أسهل. من اهم المنصات التي يفوق استخدامها حدود دولة او منطقة لتُصنّف من المنصات العالمية والأهم للتواصل الاجتماعي، منصة موقع فيسبوك. تشير الاحصاءات الى أن عدد مستخدمي فيسبوك بحلول العام 2020 سيبلغ 1.69 مليار مستخدم حول العالم ليسجّل بذلك إرتفاعاً ملحوظاً من العام 2014 حيث كان عددها 1.34 مليون. نظرا لهذا النجاح، عمد مؤسس هذه المنصة مارك زوكربرغ الى تطوير خدمات الموقع بما يتجاوب مع متطلبات المستخدمين المتعددة. فمن نشر الصور والفيديو ومشاركتها مع الأصدقاء، إلى الاعلانات والحملات التسويقية، اتجه زوكربرغ لنقل المنصة نحو منحى آخر تخطى كل التوقعات. أطلق العملة الرقمية الخاصة بالموقع تحت اسم “ليبرا” التي لم تعد غريبة على مسامعنا منذ فترة وجيزة. طرح مع هذا الاصدار مفهوماً جديداً لتداول  العملات الرقمية التي توازي العملات النقدية وتتفوق عليها في بعض الأحيان. وبينما أصبحت هذه العملة الجديدة متداولة، هل سيعطي المستخدم والشركات الثقة لهذه الأخيرة؟ ففي ظلّ التهديدات والضغوطات الكثيرة التي تطال “ليبرا”، هناك مخاطر تحيط بهذه العملة ككل العالم الرقمي بشكل عام، اذ ان نجاح العملة الرقمية ممكن أن يهدد التداول بالعملة النقدية، فما حقيقة هذا الموضوع؟

“ليبرا” تجتاح السوق المالية الرقمية

لم يبقَ شيء على حاله مع دخول التكنولوجيا إلى كافة الأعمال والمجالات، كذلك فإن دخول عملة “ليبرا” الرقمية لن تترك الأمور على طبيعتها خصوصاً في ما يتعلّق بعمليات الدفع والتجارة الالكترونية . تهدف فيسبوك من اطلاق هذه العملة الرقمية الى إنشاء عملة مستقرة شبيهة بعملة الدولار المتداولة عالمياً أو بيتكوين  اولاً، وتوسيع نطاق العمل التجاري بين الشركات ثانياً، مع العلم ان نحو 31% من سكان العالم لا يملكون حسابات في البنوك أو يعانون من التحويلات البطيئة.  تعتمد “ليبرا” على البلوك تشين وتشرف عليها “مؤسسة ليبرا”. أما لتطوير استراتيجية عمل العملة الرقمية، فتسعى فيسبوك الى اطلاق شركة تابعة، هي عبارة عن محفظة مالية حيث سيتمّ تداول عملة “ليبرا” الرقمية من خلال تطبيقات مخصصة مثل “ماسنجر” “واتساب” وتطبيق خاص يسمح للمستخدمين بالقيام بالتحويلات المالية أو استقبال عملة “ليبرا” بسهولة تامة وذلك عبر الرسائل وبأدنى كلفة من الرسوم بحسب الشركة، على أن يتم إطلاق هذه العملة خلال الربع الأول من العام 2020.

إذاً النظام المالي العالمي الجديد والعملات المشفرة أصبحت حقيقة على أرض الواقع تهدّد وجود العملة النقدية التقليدية إلا أن عدم اعتراف البنوك المركزية وهيئات الرقابة المالية بالعملة الرقمية لا يعني أي شيء خصوصاً وأن التهافت على استخدامها يزداد أكثر رغبةً من الأفراد في ضخّ المال وتحقيق الثروات بشكل سريع.

دول معارضة للعملة الرقمية، من هي؟

على الرغم من إصرار فيسبوك الشديد على اطلاق “ليبرا” رسمياً، إلا ان بعض العراقيل التنظيمية أدت إلى تأخيرها، إذ كان من المقرّر ان تُطلق التجارب الأوّلية للعملة الرقمية في أواخر العام 2019 إنما لم يحدث ذلك.

على خطٍ آخر، ترافق الاعلان عن عملة فيسبوك الرقمية مع العديد من التصاريح المعارضة لها من قبل الدول والرؤساء باعتبار ان هذه الأخيرة تؤثّر بشكل كبير على السياسات النقدية للبنوك المركزية كما انها ستغيّر النظام المالي العام وتهدّد أمن البيانات والخصوصية الالكترونية للمستخدمين.

في هذا الاطار صرّح الرئيس السويسري أن العملة الرقمية المطروحة من فيسبوك لن تلقى النجاح بصورتها الحالية ويجب تعديلها. أما على الجانب الأميركي، فيصّر وزير الخزانة الأميركي ستيف منوشين، على تطبيق أعلى معايير الرقابة للعملات الرقمية خوفاً من سوء استخدامها لأهداف خطرة كتهريب الاموال أو تمويل عمليات ارهابية. كذلك أعرب رئيس البنك المركزي الأميركي، جيرمو بول، ومحافظ بنك إنكلترا مارك كارني، عن معارضتهما عملة “ليبرا”. أما فرنسا وألمانيا فتعهدتا  بمنع “ليبرا” من العمل في أوروبا. ومن المعارضين نذكر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي دعا العملات المشفرة لان تخضع نفسها للقواعد التنظيمية الأميركية والعالمية في حال رغبت في أن تصبح مشروعة. كما اعلن ترامب عن موقفه حيال العملات الرقمية بشكل  عام عبر تويتر وغرّد بأن هذه العملات لا يمكن ان تكون محط ثقة. بالنسبة  لصندوق النقد فلديه الرأي نفسه باعتباره ان “ليبرا” بالأخص قد تشكل خطرا على الأمن الالكتروني.

ازاء هذا الهجوم، أوضح برتراند بيريز، المدير الإداري لـ”جمعية ليبرا”، أن المناقشات مستمرة مع الدول المعارضة للعملة الرقمية  والمنظمين في أوروبا الذين يملكون الرأي نفسه في هذا الموضوع ولو أن ذلك سيؤخر اطلاق عملة فيسبوك رسميا في الأسواق.

انسحابت بالجملة من مشروع “ليبرا”

إن الضغوطات التي تتعرّض لها العملة الرقمية بشكل عام وعملة فيسبوك بشكل خاص أدّت إلى المزيد من المشاكل، فمنعت فيسبوك من تطبيق المشاريع والخطط المقررة في هذا الخصوص ضمن الوقت المفروض.

ومن جملة العراقيل، انسحاب كل من “فيزا” و”ماستركارد” و”إي باي” و”سترايب” من مشروع “ليبرا”. وتحدّث ناطق باسم فيزا قائلاً: “سنواصل تقييم الوضع وسنتخذ قرارنا الأخير بموجب عدد من العوامل، بينها قدرة المجموعة على تلبية كل توقعات سلطات التنظيم بشكل مرضٍ تماما”. وبحسب وكالة بلومبيرغ  فقد أعلن متحدث باسم “إي باي” عن احترام رؤية اتحاد “ليبرا” إلا أن “إي باي” اتخذت القرار بعدم المضي قدماً باعتبارها عضواً مؤسساً. أما المتحدث باسم “سترايب” فقد أشار إلى انه سيتم التعامل مع “ليبرا” في وقت لاحق.

من جهتهم حذّر وزراء مالية مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى من خطورة طرح عملات رقمية افتراضية شبيهة بـ “ليبرا”، كون كل شركة متعاونة بالعملة سيتعرض نشاطها المالي  للتدقيق والرقابة من قبل سلطات ضبط الأسواق.

في انتظار أن تحصل فيسبوك على موافقة الدول مجتمعةً والسلطات الرقابية، لن يتمّ طرح عملة “ليبرا” في التداول.

العملة المشفرة في مواجهة البنوك

يعتبر القطاع المصرفي والبنوك المركزية من أهم العناصر لتداول العملات كونها تحتفظ بالاحتياطي الخاص من عملتها النقدية فضلاً عن العملة الاجنبية لأهداف متعددة منها تجارية وغيرها. اما مع ظهور العملة الرقمية اليوم فلن تعود البنوك الى ما كانت عليه، لما للعملة الرقمية من خدمات تضاهي كل الخدمات المقدمة من قبل البنوك المركزية. كما تعد العملة الرقمية بتقديم الخدمة للمستخدم من تحويلات مالية بسرعة أكبر وبتكلفة أقل. وتعليقاً على الوضع، قال مسؤول في أحد البنوك المركزية في منطقة اليورو، “بما ان استخدام العملة الرقمية لم ينتشر بعد بشكل كبير ورسمي بين الدول فلا يزال الخطر على البنوك محصوراً. إنما الخوف الأكبر في ما بعد من اتجاه أغلبية مستخدمي فيسبوك الى العملة الرقمية والتخلي عن العملة النقدية”.

لا يمكن تجاهل العملة الرقمية بعد الآن حتى ولو لم يتمّ اطلاقها ونشرها بشكل رسمي بعد، لكن الحديث عنها أصبح متداولاً في الأسواق العالمية والجهات الدولية كافة. ويمكن اعتبار العملات المشفرة الخطوة المقبلة لانجازات العالم الرقمي والتكنولوجي، مع العلم أن هذه الأخيرة تشكّل نوعاً من الارباك لدى المصارف والبنوك التي لا ترغب في التعامل مع  هذا النوع من العملات الافتراضية. يبقى على الحكومات استدراك الأمر وعدم السماح لتداول هذه الاموال لأهداف ارهابية أو ما شابه من تهريب أموال، وغيرها من الأمور غير المشروعة.

الخبر السابق

هبة سيّد: تمكين المرأة في قطاع المعلومات والاتصالات

الخبر التالي

الثورات الصناعية… من آلات حديدية إلى تحوّلات رقمية