loader image

الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي لاقتصاد المنطقة الرقمي: وجهان لعملة ذهبية واحدة

بقلم: تشارلز يانغ، رئيس شركة “هواوي” في منطقة الشرق الأوسط

شهدت اتصالات الجيل الخامس إقبالاً كبيراً في دول الشرق الأوسط على مدار العام الحالي، مما أدى إلى رفع سقف التطلعات بشأن الإمكانات الكبيرة التي ستتيحها شبكات الجيل القادم، والإنجازات التي ستحققها هذه الدول بفضلها. وبحسب آخر الدراسات، من المتوقع أن تسهم تقنيات الجيل الخامس في زيادة الناتج المحلي الإجمالي للاقتصادات في جميع أنحاء العالم بما يصل إلى 1.4 تريليون دولار أميركي على مدار العقد القادم وفقاً لتقرير نشرته هواوي وSTL Partners مؤخراً.

تعتبر دول مجلس التعاون الخليجي من أوائل الدول التي تبنت تقنية الجيل الخامس على المستوى العالمي واعتمدتها كرافد أساسي لمسيرة التنمية الاجتماعية والاقتصادية، مدعومة بالبنى التحتية القوية التي تمتلكها وخارطة طريق تحقيق الاهداف المتمثلة بالخطط والاستراتيجيات والرؤى الوطنية الطموحة التي يعملون على ضوئها، مما يمهد الطريق لمزيد من فرص التطوير في مختلف مناحي الحياة من خلال نشر مزيد من الابتكارات التقنية بموازاة الجيل الخامس وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي.

سيسهم كلٌ من الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي في إرساء أسس مجتمعات أكثر تقدماً وذكاءً، حيث أشار تقرير نشرته شركة برايس ووتر هاوس كوبرز مؤخراً إلى أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في دول منطقة الشرق الأوسط سيرفد اقتصادات هذه الدول بما يصل إلى 320 مليار دولار. وتسعى دول المنطقة إلى تسخير إمكانات الذكاء الاصطناعي بشكل متسارع، حيث منحت بعض البلدان مثل المملكة العربية السعودية جنسيتها لأول روبوت يعمل بالذكاء الاصطناعي في العالم في عام 2017. كما تتوقع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي أن يسهم الذكاء الاصطناعي في زيادة الناتج المحلي الإجمالي للمملكة بما يصل إلى 500 مليار ريال سعودي (أي ما يعادل 133 مليار دولار أميركي) بحلول عام 2030. أما في الإمارات العربية المتحدة، فقد تم تعيين أول وزير دولة للذكاء الاصطناعي في العالم في العام 2017، وتبع ذلك تأسيس أول جامعة متخصصة بأبحاث الذكاء الاصطناعي في العالم بالإضافة إلى إطلاق البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي ( B.R.A.I.N.) والذي يوفر مبادرات تشمل جميع قطاعات المجتمع.

وفي الوقت الذي تعتمد خطط التحول الرقمي في جميع أنحاء المنطقة على شبكات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي، تبرز أهمية التكامل بين هذين الابتكارين اللذين أصبحا وجهين لعملة ذهبية واحدة. ويعتبر إطلاق الجيل الخامس بداية عصر جديد في تاريخ البشرية بفضل ميزاته من تقنيات الاتصال الحديثة التي تسهم في دفع عجلة التحول الرقمي وتصل فوائدها ومزاياها لكافة القطاعات والصناعات بحيث ترفع سقف الإنتاجية وسرعة العمليات التشغيلية وتقلص النفقات وترتقي بجودة الخدمات، إذ كان من أبرز مساهمات الجيل الخامس تعزيزه لسرعة الاتصال وإتاحة نقل كميات كبيرة من البيانات بزمن استجابة منخفض، ما عمل بدوره على تعزيز أعمال القطاعين العام والخاص.

الجيل الخامس يعتبر أساس الثورة الصناعية الرابعة، وعندما يتم دعم تقنية الجيل الخامس ودمجها بتقنيات ثورية أخرى كالذكاء الاصطناعي، ورفدها بتقنيات أخرى متطورة كالسحابة الالكترونية، ستتمكن مؤسسات وشركات الشرق الأوسط من تعزيز كفاءة أعمالها بالاعتماد على التشغيل الآلي وميزات تحليل البيانات لتوفير خدمات متطورة يعتمد عليها وتتماشى مع التطور التقني المتسارع والخدمات العصرية التي ينشدها جمهور المنطقة.

قطاع الاتصالات سيكون المستفيد الأكبر من الإمكانات التي يتيحها الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي، حيث تسهم قدرات الذكاء الاصطناعي في نشر الجيل الخامس وتعزيز قدراته من خلال تشغيل الشبكات بشكل آلي ورفع درجة مرونتها وآفاق تطويرها لخدمة باقي القطاعات. وبفضل الإمكانات التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، يمكن لشركات الاتصالات تقديم خدماتها بشكل أسرع وأفضل، والاستفادة من ميزات الحد من النفقات وتوفير البيانات بشكل فوري عند الطلب، مما يسهم في توفير تجارب مميزة يمكن اعتماد الشركات والمستهلكين عليها في مختلف المجالات، بدءاً بعمليات الدفع الآلي مروراً  بتوفير حلول وخدمات جديدة لقطاع المشاريع والأعمال، وصولاً إلى عالم التسوق والترفيه وخدمات الأونلاين للدراسة والعمل التي بات الاعتماد عليها محورياً خلال أزمة كورورنا.

إسهامات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي لا تقتصر على قطاع الاتصالات فحسب، بل تشمل جميع القطاعات الأخرى. وخير مثال على ذلك اعتماد مزودي خدمات الرعاية الصحية على الحلول التي توفرت من خلال دمج مزايا الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي لمكافحة تفشي جائحة كورونا وتوفير الاتصال بين المستشفيات والأطباء الذين يعملون عن بعد وتزويدهم ببيانات المرضى لتمكينهم من تشخيص الأمراض بشكل سريع. أما في قطاع النفط والغاز، فتسهم حلول الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي في توفير الاتصال بين حقول النفط ومراقبة عملياتها بطرق لم تكن متاحة قبل ثلاثة أعوام، مما يعزز قدرة المنتجين على اتخاذ القرارات بسرعة أكبر من خلال تحليل البيانات التي لم يكن بالإمكان الحصول عليها والاستفادة منها سابقاً. كذلك ستسهم التقنيتان في دفع عجلة التحول الرقمي ضمن جميع القطاعات الأخرى سواء النقل أو تخطيط المدن أو التعليم والتجارة.

ولتحقيق الفائدة المرجوة، لا بد من اعتماد خطط واستراتيجيات الدمج الصحيح بين الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي وفقاً للأهداف المرجو تحقيقها لكل مرحلة بحسب طبيعة وأولويات كل سوق. بدءاً بتزويد شبكات الجيل الخامس بتقنية الذكاء الاصطناعي لتوفير الخدمات للمزيد من الشركات بشكل سلس وكفاءة فائقة بحسب ما يتطلع اليه المستهلك خلال المرحلة الأولى من الحقبة الرقمية الحالية. وعندما يتم دمج هاتين التقنيتين مع منصات الحوسبة السحابية والبيانات الضخمة وانترنت الأشياء والواقع الافتراضي والمعزز وغيرها من التقنيات والحلول المتقدمة، سيتم تحقيق قيمة كبرى تسهم في دعم مشاريع التحول الرقمي وتحقيق أهداف الخطط والرؤى الوطنية بأقصر وقت ممكن.

نشر الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي خطوة أساسية على طريق بناء الاقتصاد الرقمي، إلا أن ذلك يعتمد كلياً على بناء النظام الإيكولوجي المناسب الذي يجب أن يعتمد قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات كأحد أهم محاوره. وينبغي العناية بتعزيز مسارات العمل على بناء هذا النظام الإيكولوجي بدءاً من أولوية الاهتمام بتطوير المواهب التقنية ورعايتها باعتبارها العامل الرابح الأهم في بناء النظام الإيكولوجي المطلوب وتحقيق التحول وتوفير الكوادر البشرية الوطنية لقيادة مسيرة بناء مستقبل مزدهر لدول الشرق الأوسط.

التحول الرقمي يؤدي دوراً أساسياً في دعم الجهود الحكومية لمواجهة التحديات الجديدة واستغلال الفرص المتاحة، حيث تمكنت الدول المتطورة من تحقيق قيمة كبرى بفضل مشاريع التحول الرقمي التي ساهمت في تعزيز نجاحاتها وتوفير خدمات مميزة للمستهلكين. ونظراً لأن التحول الرقمي هو عملية متواصلة لا تتوقف، لا بد من تعزيز التعاون بين كافة شركاء القطاع التكنولوجي في الشرق الأوسط ودولياً، إذ تعتبر الشراكة وتبادل المعارف والخبرات والتعاون والانفتاح  وبناء جسور العمل المشترك أهم مقومات النجاح الذي يجب أن يرتقي فوق المفهوم المجرد للمنافسة وتحقيق الربح، للعمل على تمكين نجاح الخطط والاستراتيجيات والرؤى الوطنية الطموحة لدول المنطقة.

الخبر السابق

القيادات النسائية المؤثرة في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات

الخبر التالي

النظارات الرقمية والزجاج الذكي… أكثر من مجرّد تقنية للاتصال