بات الاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعيّة في الحياة السياسيّة، ركنا أساسيا من الخطّة المعتمدة للحملة الانتخابيّة؛ فلم يعد المرشّح يكتفي بالاطلالات التلفزيونيّة ليقدّم برنامجه الانتخابي بل أصبحت أمامه أساليب اكثر لتحقيق الانتشار المبتغى بطريقة أسرع.

تشهد الحياة الحزبيّة والسياسيّة علاقة متينة مع مواقع التواصل خصوصًا وإنها باتت المنصّة الرئيسيّة لنشر الصّور أو مقاطع الفيديو وتواصل الحزب مع جمهوره، فينقل من خلالها رأيه تجاه موضوعٍ ما، كما يسعى رئيس الحزب الى تفعيل نشاطه عبر هذه المواقع فيكسب شعبيّة اكبر ويكسر الحاجز بينه ومناصريه.

مع الوقت، لم تعد مواقع التواصل وسيلة لمجرّد مشاركة ردود الفعل مع الآخرين، بل هي تُعدّ من أهم "الأسلحة الرقميّة" المستخدمة في المعترك السياسي، خصوصًا في فترة الانتخابات حيث تكثر حدّة المنافسة بين الأخصام السياسيين، وكم من مرّة كانت هذه المنصات الاجتماعيّة سبب انجاح أو اسقاط أحدهم في الانتخابات!

الحملة الالكترونية ومدى تأثيرها على الناخبين

يبدأ التحضير للتسويق الانتخابي والبرامج الانتخابيّة عبر الانترنت والمنصات الالكترونية الأشهر: تويتر، فيسبوك، قبل فترة من يوم الانتخاب. كما يلجأ المرشحون إلى تجنيد جيش إلكتروني يتولّى صفحاتهم وحساباتهم على الانترنت لتفادي أي خطأ ممكن أن يقلّل من شعبيّة المرشّح. إنّما ما قد لا يعرفه العديد منّا هو أن هذه الحملات تؤثّر بشكل مختلف من شخص إلى آخر وذلك يعود إلى الثقافة السياسيّة لكل ناخب أو

بحسب البلد الذي يعيش فيه ومحيطه بشكل عام: ففي لبنان، لن تؤثّر الدعاية الانتخابية القائمة على مواقع التواصل على كافّة اللبنانيين، لا سيّما المستقلّين الذين لا يتّبعون لأي حزب. وفي هذا السياق، لا بدّ من الأخذ بالاعتبار أن الحملة التسويقيّة للبرنامج الانتخابي عبر مواقع التواصل، لن تصل إلى كبار السّن في لبنان الذين لا يمتلكون حسابات إلكترونيّة (الأغلبية منهم) بينما في الدول الغربية، تبقى فئة المسنّين من ضمن الجمهور الالكتروني المتتّبع للأخبار من خلال المواقع الالكترونيّة. وبما أن الجيل الشاب هو الناشط الأهم عبر مواقع التواصل، يعمل المرشّح على أن تكون الدعاية الانتخابية أقرب لهذه الفئة فيضمن انتشار شعاره لنسبة كبيرة من الناخبين.

مواقع التواصل... تهديد مستمرّ

ترافقت الثورة الرّقميّة مع ثورة شعبيّة بقيادة الجيش الالكتروني  والدعاية السياسيّة التي تُنشر عبر مواقع التواصل. من هنا يظهر مدى أهميّة  دور المنصات الالكترونيّة التي "تدير" وتسيّر"  آراء الشعب في أغلب الأحيان. شهد العالم في الفترة الأخيرة حملات إلكترونيّة مدبّرة أدّت إلى تغيير مسار النتائج الانتخابيّة كليًّا وتشويه مفهوم الديمقراطيّة، آخرها الانتخابات الاميريكيّة عام 2016، حيث  ذكر موقع تويتر أن شبكة "روسيا اليوم" الروسية التي تتهمها واشنطن بأنها عملت من أجل التأثير على الانتخابات الرئاسية الأميركية في 2016، قامت بتمويل حوالى 1800 تغريدة ترويجية أدّت هذه الأخيرة إلى تغيير النتيجة وفوز دونالد ترامب. كما أعلن موقع فيسبوك أنه تمّ الكشف عن حسابات من روسيا استخدمت في نشر رسائل سياسية عبر شراء مساحات إعلانية على الشبكة. ومن البلدان التي تعرّضت لمسألة مماثلة، البرازيل، نيجيريا وإندونيسيا: تتميّز شبكة الانترنت بقوّتها في هذه البلدان كما تشكّل مواقع التواصل المحور الأساسي للمواطنين هناك، فتشير الاحصاءات إلى تواجد 120 مليون مستخدم نشط شهريًا. ناهيك عن ذلك، تُعدّ كلّ من إندونيسيا والبرازيل من أكبر الدول المستخدمة لتطبيق فيسبوك بعد الولايات المتحدة والهند، اما تطبيق واتساب فيستخدمه حوالى 56٪ من البرازيليين و 40٪ من الإندونيسيين. أما في نيجيريا، فهناك نحو 27 مليون نيجيري يستخدمون فيسبوك وواتساب على الرغم من أن شبكة الانترنت ليست منتشرة بشكل كبير في البلاد. وفي لبنان يبقى للتسويق الرقمي حصّته أثناء فترة الانتخابات، فبحسب الدراسات، 95 %من اللبنانيين الذي يستخدمون مواقع التواصل هم من روّادهها، و75% يلجأون إلى موقع يوتيوب وفيسبوك، فيما يحصد إنستغرام 49 % ليسجل النسبة الأقل.

الانتخابات الرئاسيّة والحملات المضلّلة

بعد تناول الصحافة العالميّة لما حصل من تزوير بالمعلومات التي نشرت عن المرشحّة هيلاري كلينتون، ليحقّق دونالد ترامب فوزه على حسابها، تعرّضت البرازيل لهذا النوع من التضليل الاعلامي في الانتخابات الرئاسية عام 2018:  نظّم فريق تابع للمرشّح في الكونغرس جير بولسونارو حملة منسّقة من التضليل لتشويه سمعة منافسيه. وخلال الانتخابات النيجيرية عام 2019 ، أنشأت جيوش إلكترونيّة آلاف الحسابات المزيفة على تويتر لنشر المعلومات المضللة وإشاعة مفادها أن الرئيس بوهاري قد مات وأن شخصًا مزدوجًا كان يخدم في مكانه. انتشرت هذه الشائعات على نطاق واسع لدرجة أن الرئيس بوهاري أنكر علنًا أنه "مستنسخ".

كذلك الانتخابات الإندونيسية ، التي أجريت عام 2019، شهد المواطنون أثناءها حملة هائلة من تشويه ولغط للمعلومات ممّا أثّر على الرأي العام والنتائج الانتخابيّة الأخيرة.

هل من سُبل للتصدّي للاخبار المزيّفة؟

كثرة وتعدّد المنصات الالكترونيّة يُصعّب عمليّة التصدي للمعلومات الخاطئة والمزيّفة التي يتمّ تداولها عبرها خصوصًا في الفترات الانتخابيّة، فيستغل الجيش الالكتروني هذا الوضع وفي ظلّ غياب أي قانون يعاقب على هذا الجرم، للتكثيف من المعلومات وتضليل الرأي العام من خلالها. لذلك، ومن أجل الحدّ من هذه الظاهرة ولما تحمله من تجاوزات خطرة على الأفراد والمجتمعات يصعب حصرها، ها هي حكومات حول العالم تسعى إلى التصدي لظاهرة الأخبار الكاذبة، من خلال سنّ تشريعات وقوانين تجرّمها، وتكثيف ورش عمل للتوعيّة حول مخاطر هذا الموضوع وكيفيّة المشاركة في التصدي له.

فأصدرت الحكومة الألمانية قانوناً يغرّم منصات التواصل الاجتماعي في حال فشلها في حذف الأخبار الكاذبة خلال 24 ساعة من التبليغ عنها، أما في كينيا فتمّ التوقيع على قانون يعاقب أي شخص ينشر الأخبار الكاذبة إلكترونياً بعقوبات صارمة.

تبقى الأخبار الكاذبة في الزمن الرقمي، السلاح الأكثر شيوعًا والمعتمد من أغلب الأطراف لمحاربة الخصم. إنّما ليس فقط الأحزاب من يلجأ لهذه الأساليب، بل بعض الشركات في دعاياتها التسويقية لمنتجاتها أو حتى رجال الاعمال لجذب العدد الأكبر من المستخدمين وتحقيق بما يُسمّى: النجاح المزيّف.