الهولوغرام: تخاطر أفكار أم أداة اتصال؟

 من اليوم الأوّل وحتى يومنا هذا، كانت ولا تزال التكنولوجيا موضعًا أساسيًّا لعالم الخيال و"الجنون" إذا صحّ التعبير في بعض الأحيان. فالابتكارات والتقنيات الرقميّة، التكنولوجيّة والبعض منها شبه خياليّ، لم تعدّ مجرّد أفكار، بل أصبحت مُنفّذةً ومطروحةً امام الجميع من كافّة انحاء العالم. هناك من ينتظر المزيد متشوّقًا لتجربة فريدة من نوعها والبعض الآخر من يكتفي بالذي قُدّم له، متجنّبًا تداعيات ورواسب التكنولوجيا وعالمها الواسع.

ما توصّلت إليه التكنولوجيا من تطوّر، استطاعت أن تسبق من خلاله ما توقّعه أي مستخدم. نبدأ بالواقع الافتراضي، تكنولوجيا الجيل الخامس، تقنيات ثلاثية الأبعاد وغيرها، اكتسبت ثقة الناس حتى باتوا يتّكلون عليها ليُتممّوا كل ما يريدونه. سأل الانسان عن جيل جديد في قطاع الاتصالات، فكانت له تقنيّة الجيل الثالث،  الرابع، فالخامس، سأل عن أجهزة يستعين بها في عمله، حتى كان له عدد هائل من الأجهزة المتطوّرة التي تحاكي التكنولوجيا والعلم الرقمي، ليس فقط لتساعده، بل لتحلّ مكانه. وها هو يسأل عن طرق جديدة للتواصل مع الآخر بعدما "سئم" من مواقع التواصل الاجتماعي والطرق التقليديّة نوعًا ما، ليظهر "الهولوغرام" أو التصوير التجسيمي. قد تتعدّد طرق التواصل بين البشر من الرسائل النصيّة إلى الفيديو، إنّما هل تخيّلت أن يكون بامكانك التواصل مع من تريد، في غيابه، وكأنه حاضر معك؟

 

ما هي تقنيّة الهولوغرام؟

هي تقنيّة ليست من الخيال، ولا من العالم الخارجي. فالخيال بات حقيقة والعالم الافتراضي بات أقرب إلينا من عالمنا الحقيقي. ما كنّا نشاهده في أفلام الخيال العلمي: Star Wars والرجل الحديدي (Iron Man) بات في متناول اليد. إنها تقنيّة الهولوغرام، التصوير التجسيمي، التي لا يزال استخدامها مُبهمًا للكثيرين. هي تقنيّة تعتمد على التقاط جزيئات من الضوء عن جسم معيّن، ليتمّ عرضه على صورة ثلاثيّة الأبعاد تتطابق كليًّا مع الجسم الحقيقي. تُسجَّل الصورة عبر أشعة الليزر ومجموعة من المواد اللازمة: الليزر، الضوء، المرايا، العدسات، لتوضيح المُحتوى.

اعتمد العلماء على تقسيم أشعة الليزر إلى شعاعين متماثلين، ويُعاد توجيه الشعاعين من خلال المرايا، فيُوجّه واحد من الأشعة الى الجسم الذي يريد المستخدم خلق صورة له ثلاثيّة الأبعاد ويُصوّب الشعاع الثاني إلى وسط التسجيل، ليتم بذلك خلق صورة تقريبيّة عن الجسم المُسجّل في الموقع المخصّص للعرض.

وأخيرًا تتمّ إضاءة الهولوغرام لنرى صورة في الهواء عن الجسم المُصوّر. أما عن طريقة عمل الهولوغرام، فنوّهَ الباحث، سيرج كورك، بالاختلاف بين الأشعة التي تصدر عن  اجهزة التلفاز او الكومبيتر التي ترتكز على شعاعين فقط، بينما الاشعاعات الصادرة عن التقنيّة المجسّمة هي اكثر تعقيدًا بسبب الصعوبة في معالجة الضوء وتوجيهه إلى ثلاثة أبعاد، وتنقسم هذه الأخيرة إلى نوعين، الهولوغرام الشريحي الرقيق والهولوغرام الحجمي السميك.

 

التواصل عبر التخاطر

ليس من الغريب أن تكون صلة التواصل المستقبليّة بين الناس ترتكز فقط على التخاطر، أي على تقنيّة الهولوغرام، فبحسب ما توقعه مشاركون في استطلاع رأي جديد في بريطانيا، اعتبروا أن التواصل سيتمّ باستخدام أجهزة وكاميرات موجودة في أجسامنا، تعطي صورًا مجسّمة ثلاثيّة الأبعاد. ولتوضيح مفهوم التواصل من خلال التخاطر، أشار الدكتور إيان بيرسون، المتخصص في علم المستقبل، أن التخاطر يعني انتقال الأفكار من عقل شخص إلى آخر من دون استخدام أي وسائل حسيّة أو مادية مباشرة. اي أن الافكار تنتقل من دون استخدام الحديث أو القراءة أو الإشارات حتى، ويُرجّح أن تُعتمد هذه التقنيّة في التواصل بحلول العام 2050. كيف ذلك؟ اعتقد د. بيرسون ان العلماء المهتمين بابتكارات كهذه سيصمّمون اجهزة إلكترونيّة صغيرة تُحقن داخل جسم الانسان وعقله، فتنقُل منها المعلومات إلى أجهزة إلكترونية خارجيّة، وبذلك يتمّ التواصل من خلال التخاطر ما يؤدي إلى زيادة معرفتنا بشكل كبير.

نظرًا لتهافت العالم نحو هذه التقنيّة، وانتشارها ولو بشكل خجول، وجد الفيزيائيون أنه حان الوقت لاضافة بعض التعديلات على تقنيّة الهولوغرام، وذلك بهدف الحصول على صورة أدقّ ترضي المستخدم. فككل الابتكارات العالميّة تبدأ بامكانات محدودة لتتطوّر مع الوقت وتقدّم خدمات عدّة. من هنا نشير إلى أن التقنيات التي كان عليها الهولوغرام في السابق لا تشبه واقعها اليوم، حيث باتت تُعالج الأجسام المصوّرة بشكل أدقّ لكي تلتقط الأجسام الصغيرة  كالهاف الذكي مثلاً. 

 

 

خدمات متعدّدة بانتظار الأجيال القادمة

يُعتبر الهولوغرام من أهم التقنيات التي تواكب عصرنا السريع، والذي سيُعتمد كوسيلة تواصل أساسيّة في المستقبل. كغيره من التطبيقات فهو ليس فقط مفيدًا كونه يُلغي المسافات كلًّيًا مع من تريد أن تتكلّم معه، وتستحضره امامك مهما كان بعيدًا، بل من خلاله يمكن أن تستفيد من خدمات متعددة أبرزها الاستمتاع بالأحداث التي تحصل حول العالم وتشاهدها ثلاثيّة  الأبعاد، وفي هذا الاطار اعتبر الباحثون اليابانيون أن الهولوغرام سيمكّن المستخدم من حضور اي حفل يريد، كألعاب كأس العالم مثلاً فلم تعد المسافات أو القدرات الماديّة تشكلّ عائقًا. حتى التعليم سيتغيّر على ضوء استخدام الهولوغرام، حيث سيمكنك أن تشاهد الحصّة من منزلك عبر التجسيد المصوّر وكذلك المُدرّس الذي سيوفّر الوقت والجهد حيث بات بامكانه ان يُحاضر في عدد من الجامعات حول العالم في الوقت نفسه ومن مكانه.

لا تتوقّف الخدمات على تقليض المسافات فحسب، بل يمكن اللجوء الى الهولوغرام لأهداف عدّة، فيمكن الاستفادة من الصورة ثلاثيّة الابعاد التي يقدّمها واستخدامها في الطائرات  لتحديد المنخفضات الجوية. بالاضافة إلى ذلك، ممكن استغلالها في الترصدات الجويّة، حيث يمكن استخدامها في التوربينات من خلال فحص الاهتزازات على شفرة التوربينات وقياس تردداتها وتحليلها وتكوين نمط قياسيّ وصورة ثلاثيّة الأبعاد تكشف عن الشفرات المُعطّلة من بين شفرات التوربين.

وعند ذكر الخدمات والتسهيلات التي يوفّرها الهولوغرام، لا بدّ من الاشارة إلى أفلام الخيال العلمي التي لديها الحصّة الأكبر من هذه التقنيّة. يعتمد المخرج في أكثر أفلام الخيال العلمي على الهولوغرام، خصوصًا في المشاهد غير المنطقيّة التي تتطلّب وجوداً فائقاً للخيال، حيث يستخدم هذه التقنيّة لتجسيد سيناريو خيالي من دون أن يظهر أي خلل في تركيب الصور والاضاءة مهما كانت مختلفة، ليكون بذلك المشهد الخيالي أقرب إلى الواقع أمام المشاهد.

حتى الشركات الالكترونيّة المصنّعة لأجهزة التلفاز، وجدت انه ممكن لهذه التقنيّة أن تجلب لها الأرباح، حيث باشرت شركة سامسونغ العمل على اضافة تقنيّة الهولوغرام ضمن أجهزتها وتقنية العرض ثلاثي الأبعاد. إلى أن يتمّ تصنيع أوّل تلفاز ثلاثي الأبعاد بحلول العام 2021.

 

هل من تداعيات لتقنيّة المستقبل؟

مهما تعدّدت التقنيات التكنولوجيّة ومهما تطوّر العالم الرقمي والعلم الاكتروني بشكل عام، ستتواجد الثغرات في  التطبيقات التكنولوجيّة لا محالة. كذلك الهولوغرام، فلن يسلم من أخطار عدّة ممكن أن يتعرّض لها:

ثغرات تقنيّة: كلما زاد عدد الصور المجسمة من الحجم نفسه ، زاد تدهورها خصوصًا أن الخصائص الديناميكية للمادة محدودة حاليًا ممُا يسبّب أخطاء في قراءة المجسّم. يعد اختيار شركة اتصالات ذات الخصائص البصرية الجيدة  والخيصة أمرًا أساسيًا لمستقبل تخزين المجسم.

بطالة: قد تتسبّب هذه التقنيّة بشغور عدد من المهن فلم تعد الشركات بحاجة ليد عاملة بشرية موجودة على الأرض، بما انها ممكن أن تستبدلهم بتقنيّة المستقبل فيتواصل المعنيون بشكل مباشر مع العملاء والزبائن من دون الحاجة إلى موظفين.

زيادة بنسبة المدفوعات: قد يتكلّف المستخدم الذي يعتمد على الهولوغرام الكثير من مصاريف الصيانة. فشاشة الهولوغرام تحتاج للصيانة من فترة إلى أخرى خصوصًا وإن كل عملها ومكوّنات شاشتها مصنوعة من الجزئيات الحسّاسة.

 

التجسيمات المصوّرة قد تشكّل واحداً من بين العتاصر الأساس التي ستُبهر الأجيال القادمة. لا بدّ من بعض التطبيقات الالكترونيّة أن تأخذ حذرها من الهولوغرام كونه البديل الأنسب والأكثر تطوّراً ، فبامكاننا الاستغناء عن تطبيق سكايب مثلاً بما ان الهولوغرام يحتوي على الكثير من الخدمات الاضافيّة التي لا يتحلى بها سكايب. لذلك، يعمل الفيزيائيون على تطوير هذه التقنيّة علّها تحقّق الانتشار الواسع في السنوات القادمة لما لها من أهميّة على صعيد الابداع والتكنولوجيا ودورها الأساسي بنقل العالم الرقمي إلى مستوى عال من التطوّر.